برنامج “عيون السينما”

فيلم “بركة” Baraka

الجمعة 9/11/2001

أعزائي المشاهدين مساء الخير…

…ومساء الفل لشباب الموقع الكويتي؛ دي في دي فور أراب…فور رقم 4. دوت. كوم. Dvd4arab.com وخاصة لرواد “منتدي السينما” لمشاركتهم الحيوية في التعليق على برنامج “عيون السينما” ومنذ الحلقة الثانية…الشباب روكي وماكسيموس وساندرا والآخرون…وهي مشاركات تؤكد حقيقة أن الاهتمام بالفن السينمائي الجاد قد ارتفع كمًا وكيفًا بين الشباب على نحو ملحوظ خلال العقد الأخير على الأقل، بقدر ماتؤكد هذه المداخلات حقيقة أخرى في مقدمة مزايا العصر الالكتروني الجديد وهي أن المشاركة اللحظية بإبداء الرأي والتعليق تقيم على الفور اتصالًا حيويًا بين المرسل والمستقبل. وهي عملية تفيد البرنامج إلى أقصي حد بتلمس نبض المشارك، في الوقت الذي يتكاثف فيه شعور البرنامج بالمسؤولية تجاه مجموع مشاهديه… وعسى أن نكون عند حسن الظن!

وفي انتظار المزيد من المداخلات والتعليقات من شباب “منتدي السينما” في موقع dvd4arab.com أو خلال البريد الالكتروني للبرنامج oyounelcinema@ajeeb.com أقول لكم “تو ثمز أب!” Two Thumbs Up! وشكرًا جزيلًا.

فاصل

في تقديم الحلقة الاولي من برنامج “عيون السينما” ذكرت أن العيون السينمائية…أو الأعمال المميزة المختارة ستتنوع بين العربي والأجنبي…بين الكلاسيكي والحديث، بين الأمريكي وغير الأمريكي، كالفيلم الأيرلندي وفيلم الأسبوع الماضي الذي أنتجته أربع جنسيات ولم يسعفني الوقت للتفصيل في تحليله…بقدر ماستتنوع الاختيارات بين ما نعرفه ونألفه وبين ما لا نعرفه وما لم نألفه…

هذا الأسبوع سيتحقق هذا الوعد الأخير…هذا الاسبوع سنقوم سويًا بمغامرة محسوبة المخاطر أدعوكم فيها إلى سهرة مع التأمل في تجربة عرض غير تقليدية أزعم، وعلى حد معلوماتي الحالية، أنه لم يسبقنا إليها تلفزيون عربي أرضي أو فضائي آخر.
هل سنغامر بالخروج عن المألوف بالقفز خارج الإطار التقليدي الذي اعتدنا على أن نشاهد الأفلام في حدوده؟

حدود الحكاية السينمائية المروية من خلال صور وأحداث وشخصيات وجمل حوار…الأفلام كما نشاهدها تسمي الأفلام الروائية…اللفظية الكلامية باستنادها إلى قصة أدبية…وهذا مصدر “غير سينمائي” للإلهام الفني في نظر “الطهوريين”…أو الأنصار المتشددين لما يعرف “بالسينما الخالصة”.

تجربة فيلم الليلة هي تجربة تأملية تنتمي إلى نوع سينمائي يسمي بالفيلم الروائي غير اللفظي Non-Verbal Feature Film الذي يروي حكاية ضمن إطار درامي محدد…شكل سينمائي ينتمي إلى ما وصف بأنه “سينما خالصة” أي أنها لا تستعين في توصيل روايتها إلى متلقيها بأي شىء خارج أداتيها الأساس: “الصورة” التي كانت هي الأساس منذ العرض الأول في ديسمبر من عام 1985 وحتى عام 1929 حين أضيف إليها “الصوت”.

الصوت والصورة؛ الموسيقي والوثيقة المرئية هما في عرف المؤمنين بالسينما الخالصة، كمنتجى فيلم الليلة، أنقي وأفعل الوسائل لتوصيل الرسالة السينمائية بمفهومها النقي الأول: الإمتاع والتثقيف.

كيف يتحقق “الإمتاع” في هذه التجربة؟ سنجده يتحقق حين يقوم المشاهد بنفسه بتركيب شذرات المعاني المتواصلة التي يزوده بها الفيلم من صور يراها وأصوات يسمعها في كل مقطع لكي يخرج في النهاية بمعنى كليّ للعمل. إنها عملية تنقل بذاتها المشاهد من تجربة التلقي السلبي في حالة المشاهدة الاعتيادية إلى مستوي آخر غير معتاد يتفاعل فيه المشاهد بقوة أكبر بكثير مع ما يراه وما يحس به.

وهنا يأتي دور تحقق الغاية الثانية من العمل الفني؛ “التثقيف”. تتحقق حين لا يستطيع المشاهد المتفاعل اختيار اللامبالاة تجاه ما يراه أو أن يهمله أو حتى أن يقف على الحياد.

هنا فقط سيتمكن المشاهد من الانتقال من مستوى “الشعور” إلى مستوى “التفكر”. وقد يتساءل مشاهد عن دور الكاتب والمخرج في هذا العرض الخالص للصورة والصوت؟

يقدم كتّاب الفيلم هنا معالجة لفكرة ثم يقومون بتحديد مسرح أحداثها وأدوار شخصياتها… ويقوم المخرج – المصوّر هنا بإخراج مايراه متفقًا مع معالجة الكتّاب ثم يعيد ترتيبه وتوليفه على نحو مختار لبناء نسق لمعنى كلي هو حصيلة المعاني الجزئية التي تقدمها المشاهد والمراحل المختلفة. وعندما يضيف شريط الصوت المركب من موسيقى جووية وأخرى لحنية من بيئات مختلفة (صوّر الفيلم في 24 بلدًا) بالإضافة إلى أصوات طبيعية يتحقق الحصول على أقوي تأثير كلي في المشاهد ناتج عن تركيب عضوي لعنصري الصورة والصوت. أما المشاهد الذي سيكتفي برؤية صور متتابعة مفضلًا التعامل مع كل صورة بذاتها منفصلة عن الأخرى فلن يجد هنا الكثير سوى ربما تصوير بديع.

إن المشاهد اليقظ سيري في الترتيب المعين والسياق المعين معنى ورسالة تتطور عبر سيناريو مكوّن من مشاهد ومراحل متتابعة كبناء الأعمال الدرامية التقليدية تمامًا…من “موقف” و”عقدة” و”حل”. وهنا فقط سيتمكن هذا المشاهد من الانتقال من مستوى العرض والسياق الظاهر إلى الغوص في المعنى المضمّن فيما يراه ويسمعه.

فيديو صوت وصورة…قرد الثلج

في احترام شديد لكل الكائنات فوق هذا الكوكب، تتأمل الكاميرا وجه قرد الثلج الياباني هذا وهو في حالة تأمل أو تفكير، إذا كان يفكر على الاطلاق…

هذه لقطة لقرد ساكن يغلق عينيه في استغراق عميق فيما لا نعلمه ثم تتبعها لقطة سماوية تستعرض آفاقًا نجمية قبل أن يعود إلى الاستغراق العميق.

مشهد افتتاحي يقدم واحدًا من أعظم المداخل وأكثرها تأثيرًا إلى فيلم من السينما الخالصة. مشهد يقدم موقفًا فلفسيا يلخّص رؤية لكوكب الأرض بسكانه من غير البشر….وفيما بعد، كما سنري، تعلن موقفًا من البشر!

فيديو صوت وصورة…مشاهد الكويت

عندما التحقت قبل حوالي عشرة أعوام، وبالتحديد في شهر يونيه من عام 1991، بفريق العمل في فيلم “بركة” كمنتج تنفيذي للجزء الخاص بالكويت، وكانت ظلمات العدوان الصدامي لم تنجل بعد، اعترف بأنني كنت أستخدم كلمة “بركة” دون تمعن كبير في معناها ومدلولاتها.

وحين تلقيت المعالجة السينمائية لفيلم “بركة”، وتقع في حوالى 42 صفحة، لكى أختار مايناسبها من مواقع وقصص عشتها أثناء العدوان وبعد التحرير، بدأت أبحث عن معني الكلمة… بركة… والأهم مدلول اختيارها عنوانًا لفيلم أميركي الطويل.

فلماذا من بين كل لغات العالم اختار صانعو الفيلم كلمة “بركة” العربية عنوانًا لفيلمهم؟

ولكنه ليس مجرد عنوان…

فلقد كانت “بركة” هي الكلمة الوحيدة التى استطاعت بمعناها وظلال معناها أن تعبر عما أراد كتّاب الفيلم الثلاثة التعبير عنه: فتبدو “البركة” وكأنها تعبير عن نوع من الصلة بين الخالق سبحانه وبين مخلوقاته. صلة بين السماء والأرض، بين البشر وكوكبهم الأرضي، بين البشر وبعضهم البعض على اختلاف معتقداتهم ألسنتهم وألوانهم. وتقع محاولات البشر بين استيعاب معني البركة في الأرض وتدمير كل ما يؤكد هذا المعنى في المخلوقات والأشياء والأفكار وفي إخوانهم البشر.

معني البركة يتمثّل هنا في الدعوة إلى الحياة في اتزان فوق هذا الكوكب الموزون…هو المعني الذي يدعو إلى الاحتفال بوجود البركة فينا وفي كل مايحيط بنا…في صور الشعيرة الدينية على تنوعها…بركة الله في الأرض والحياة والكون والإنسان.

عدت الى المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لأجد أن الإشارة إلى البركة واردة في ذكر كوكب الأرض كله…كما يرد في الآية 10 من سورة فصّلت: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ {41/10}. وكذلك في الآية التاسعة من سورة ق: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ {50/9}…الجبال والماء والإيمان كذلك كما تذكر الآية 96 من سورة الأعراف: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ {7/96}

واختصاص مانح البركة سبحانه بالقيمة العليا للبركة كما نقرأ في جزء من الآية 54 من سورة الأعراف: …تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ {7/54}. وهناك أيضًا ارتباط الرحمة بالبركة كما نذهب في دعائنا اليومي….السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.

هذا قليل من كثير في شرح معنى البركة في الأرض، وهذا كله موجود حرفيًا في فيلم “بركة”…الجبال والسحاب…السماء والماء…الدخان والرياح والنار ثم الكائنات والمعتقدات ثم الإنسان الذي أكرمه الله فارتفع، على حد قول هاملت في مسرحية شيكسبير، الى ذري ملائكته ولكنه يختار عبر مفاصل من تاريخه أن يهبط إلى دركات أدنى الوحوش.

هذا كله نراه في “بركة”.

فيديو صوت وصورة “بركة”
قبل فيلم “بركة” كنت قد شاهدت فيلمين للمخرج المصور المبدع رون فريكي Ron Fricke: الأول هو “كويانيس كاتسى” (1982) Koyaanisqatsi الذي عمل فيه كمصور وكاتب مشارك مع المخرج غودفري ريجيو Godfrey Reggio في عام 1983. وكلمة “كويانيس كاتسي” مأخوذة من لغة هنود الهوبي الأميركيين ومعناها “حياة بلا توازن”. أما الفيلم الثاني “كرونوس” Chronos وتعني “الزمن” فقد أخرجه وصوره رون فريكي في عام 1985 كفيلم للعرض على شاشة الآيماكس – الكلمة المكوّنة من مقطعين: Eye العين وMaximum أقصى والمقصود “أقصى ما يمكن أن تراه العين”. وقد صوّر “بركة” بكاميرا 70 ملم بنيت خصيصًا للفيلم مرتبطة ببرنامج كومبيوتر خاص بها لإنتاج صور هي أقصى ما يمكن للعين أن تراه. ولكن هذه مسألة تتعلّق بشكل الفيلم. أما المضمون فيجب أن يكون “أكبر من الحياة” وهذا تعبير نقدي. ولكنه يعني أن ما نراه من صور قد يكون عاديًا ومألوفًا ولكن أسلوب عرضه يجب أن يكون غير عادي وغير مألوف. فتبدو الصورة في سياق العرض مع شريط الصوت والنسق الخاص بها في السيناريو – تبدو صورة أكبر من الحياة.

ويتعاون حاليًا المخرج رون فريكي مع المخرج فرانسيس فورد كوبولا لإنتاج فيلم الأخير “ميجالوبوليس” الذي سيعرض في نهاية عام 2002.

سأضرب مثالًا لمسألة أكبر من الحياة هذه. قد تكون حركة المرور في شارع نيويوركي أمرًا عاديًا ولكن أسلوب التصوير وإضافة شهيق وزفير إلى شريط الصوت هما بالتأكيد ليسا أمرين عاديين.
أسلوب التصوير المستخدم هنا اسمه التايم لابس Time Lapse ويعتمد على تقنية ضغط الزمن لإحداث تأثير مستمد من مشاهد الحياة العادية التي لا يمكن تحليلها أو التعليق عليها لبطئها. في فيلم “الزمن” يتوسّع رون فريكي في استخدام هذا الأسلوب.

الصورة البديعة تتطلّب صوتًا للتأثير القوي. والصوت هنا هو الموسيقى التي وضعها مايكل ستيرنز بالإضافة إلى موسيقات أخرى استلهمت روح الأماكن التي صوّر فيها الفيلم. وفي بعض الأحيان لجأ ستيرنز إلى الجمع بين آلات وأصوات مختلفة إلى درجة الالتحام لتكوين أوركسترا عالمي كوكبي يلعب ضمن تكوينات عملاقة. وفي الجزء الخاص بالكويت استخدم بالإضافة إلى آلات النفخ طبولًا يابانية وموسيقى الماء التيبيتة والقرب الاسكتلندية في مقطوعة أسماها “الوعود الكاذبة”.

ما أصدقها عن العدوان.

في كل عام أشاهد “بركة” مرتين أو ثلاث مرات. وفي كل مرة أكتشف طبقة جديدة لم أصل إليها في المشاهدة السابقة. أقول هذا لأنه ممكن أن نقيم علاقة بين معرفتنا بموضوع ما وبين إحساسنا به قبل أن نعرفه.
لغز؟
مثلًا في المشاهدة الأولى لم أكن أعلم أن الرجل الوحيد الذي يحمل جرسًا ويرتدي زيًا تقليديًا في أحد شوارع طوكيو هو راهب شنتوي بوذي. لكن إحساسي به كان أنه رجل وحيد في البرية يحمل جرسًا لينذر به الآخرين، الذي يتحاشونه، من خطر زوال الروحانية وسط زحام الحياة. أحسست بهذا دون أن أعرف حقيقته بسبب سينمائي خالص…لأنني استمعت إلى رنين الجرس في لقطة ماستر يتحرك فيها الرجل وحيدًا والمكان المباشر المحيط به خال تقريبًا من المارة. وهنا يؤكد هذا النوع من السينما أن على أنه ليس مهمًا معرفة الأماكن والمواقع ولكن المهم هو الإحساس بما نراه.

إذا كنت تنتتج عملًا للعرض على شاشة ارتفاعها ثمانية أفيال تقف فوق بعضها البعض فكيف تقبل أن تعرضه على شاشة تلفزيون لا يزيد ارتفاعها في أحسن الأحوال عن نصف ساق فيل! ولكن هذه ضرورة تبيح المحظورة فهذه هي الوسيلة المتاحة لمشاهدة “بركة” الذي يقدم لنا تقريرًا عن حال الكوكب اليوم وساكنه الذكي – الإنسان في علاقته بالحاضر وبالموروث الحضاري الماضي وبالطبع بالمستقبل.

لتقديم مثل هذا التقرير بأمانة تم التصوير في 24 بلدًا تمتد فوق ست قارات. وفيما يستغرق تصوير الفيلم الروائي العادي في المتوسط ستة أسابيع، فإن “بركة” استغرق 14 شهر تصوير أي حوالي 400 يوم دار فريق التصوير خلالها حول العالم ثلاث مرات للعمل في 200 موقع. وبدلًا من أن يكون مسرح الأحداث المحدود في الأفلام التقليدية يتخذ “بركة” من كوكب الأرض مسرحًا لأحداثه. وعوضًا عن الشخصيات البشرية تقوم مواقع التصوير هنا بأداء أدوار الشخصيات التي تنتقل من بركان يتفاعل في هاواي إلى هنود الكاياكو في البرازيل، ومن قبائل الماساي الأفريقية إلى حقول النفط المشتعلة في الكويت.

ليزا جيرارد ظاهرة صوتية فريدة بقدر ما تكون فرقة Dead Can Dance ظاهرة موسيقية رائعة. على الأقل بالنسبة لهواة الموسيقى الشرقية. ليزا تقدم نوعًا من الإنشاد الأوبرالي الشعبي المرتبط بتيمات روحانية مضيئة. هذا التنويع المذهل بين الطبقات الصوتية، أو بين التينور والسوبرانو بلغة أهل الموسيقى، هو التنوّع الذي ندر أن يلتقي في صوت واحد، الأمر الذي جعل ليزا مرشّحة مع فرقة Dead Can Dance لتناول فريد للموسيقى والغناء يستلهم منابعه من أصوات وأنغام الشرق.
علّقت ليزا التي تنشد في “بركة” مقطوعة كاملة على الكيفية التي تحلّق بها بصوتها خارج سجن الجسد ولو مؤقتًا بقولها إنها مسألة سهلة…دع لغة الروح تنمو بداخلك من تلقاء ذاتها…فأنت اللغة ومعها ستتوافر لديك القدرة من خلال التعبير الفني على أن تحلّق إلى أماكن أكثر جمالًا وروعة من كل ما وُعدنا به في هذه الحياة.
كتب أحد النقاد يقول: “إن من يستطيع أن يحتفظ بتركيزه لأكثر من عشر دقائق يمكنه أن يستمتع بمشاهدة “بركة”. وأنا أقول إنها تجربة تأملية نفتح فيها رئتينا على إتساعهما لاستقبال كمية من الأكسجين النقي لنجلو بها السمع والبصر والفؤاد…

لنشاهد أولًا هذا الفيديو كليب الذي يحتفل بصوت ليزا وبعده مباشرة نشاهد “بركة” الذي يصوّر عالمًا يتجاوز الكلمات.
شكرًا لكم.

فيديو كليب “بركة”
فيلم “بركة”

وأنا الذي كنت أظن أنني شاهدت كل شيء!
أهلًا ومرحبًا بكم أعزائي المشاهدين…قائل هذا التعليق هو الناقد هال هنسون بعد أن شاهد “بركة”.
علّق صديق كويتي بعد أن شاهده قائلًا: “الآن…أستطيع أن أموت فقد شاهدت كل شيء”. لا يمكنني هنا أن أفتح الباب لما نشر وأذيع من تعليقات على الفيلم سواء من المحترفين أو من الهواة أو من المشاهدين العاديين. وإلّا فكيف يمكن أن نفسّر أن الفيلم ظلّ على قائمة مجلة “فاراييتي” Variety وهي واحدة من أكبر مجلات التجارة السينمائية في العالم ضمن قائمة الأفلام الخمسين الأكثر دخلًا في دور العرض الأميركية لمدة تزيد عن ستة أشهر…فيلم خاص وسينما خالصة تكلّف نحو 3 ملايين دولار يحقق دخلًا يفوق خمسة أضعاف ذلك في دور العرض وحدها. وهذا يعني أن المشاهد العام اهتم بمتابعته وتحقيق نوع من الاتصال معه.
لعلها واحدة من عناصر الامتياز في “بركة” استخدام أناس حقيقيين في مواقع التصوير كمراقبين للأحداث ينظرون في عين الكاميرا إلينا ولسان حالهم يقول: أتشهدون على ما يحدث؟
أنا واثق من أن لكل مشاهد الليلة تصوره الخاص لمعنى الفيلم. انطباع على الأقل. قد يقول مشاهد إن الفيلم يرينا بأسلوب بصري فريد وحدة الاتصال الفعلي بين الأشياء والكائنات في هذا العالم. وقد تقول مشاهدة إن الفيلم يجعلنا نعيش عبر مساحة شاسعة من الانفعالات الإنسانية دون كلمات. هذا صحيح وذاك صحيح.

سأحاول الآن استعراض العناصر الروائية التي جعلت من فيلم “بركة” فيلمًا روائيًا دون كلمات. ينقسم الفيلم إلى ثمانية أقسام مع افتتاحية وخاتمة. فتقدم الافتتاحية عرضًا سريعًا للعناصر الرئيسة التي سيتعامل معها الفيلم لاحقًا يستعرض فيها أسلوبه السينمائي من خلال التايم لابس أو التسريع الزمني وتنتهي الافتتاحية بصوت الماء وهي هنا بمثابة الموقف في الدراما التقليدية.
القسم الأول يبدأ بالبركان المدمر ثم ننتقل إلى تدمير غابات الأمازون التي هي بمثابة مخزون الأكسجين في العالم وينتهي هذا الجزء بصورة الصبي الأمازوني المراقب الأول مع صوت سقوط الشجرة.
يفتتح القسم الثاني بمساكن علب السردين وبالمقابر اليونانية المتلاصقة ومع ذلك فإن اللحن الوحيد المتفائل في الفيلم يصاحب حركة الصغار المتوثّبة في الأزقة والحواري وينتهي هذا القسم بصورة الطفل المراقب في منزل من تلك الأزقة.
في القسم الثالث نستعرض المدينة الحديثة في نيويورك وطوكيو في عصر الميكنة الكاملة وينتهي بصوت شهيق وزفير أو صوت صعود وهبوط يمتد من الصباح إلى المساء في شارع نيويوركي.
ويفتتح القسم الرابع بصرخة صامتة يؤديها ممثل من مسرح الكابوكي الياباني التقليدي ثم يمر بمشاهد من المأساة الإنسانية وينتهي بانسحاب ممثلات الكابوكي الثلاث.
القسم الخامس هو قسم الحرب والصراع ويتميز بما يعرف بعرض الصور المترابطة. فمن حرائق الكويت إلى محرقة مصنع الحديد إلى محرقة النازية إلى مآس أخرى لكي ينتهي بجندي شاب يراقب. وهنا تصل عقدة الفيلم إلى نهايتها لنرى ما فعله الإنسان بالبركة الإلهية في الأرض.
يفتتح القسم السادس بقصر الشعب في الصين ثم يمضي الفيلم ليتأمل أطلال الحضارات.
وفي القسم السابع تسود نبرة تصالحية تطهرية… الماء في نهر الجانج والدخان في السماء وينتهي بأول اختفاء تدريجي معلنًا عن نهاية الفصل الأول.
لم يبق سوى القسم الثامن الذي تسوده العلاقة بين الإنسان والمعتقد وهنا يمهد الفيلم للحل الذي يرد في الختام الذي يبدأ بالدخول إلى رأس الرجل العابد في جولة حول الموروث التاريخي الثقافي للإنسان الذي حاول تفسير معنى البركة في الأرض.
ينتهي الفيلم بالكاميرا تسبح في سماء مزينة بالمصابيح.
في هذا الضوء أرجو أن تكون المعالم المرئية للحكاية المروية دون كلمات قد اتضحت.

ولعل مشاهدة ثانية للعمل تضيف إلى روعة الإحساس ضوء المعرفة.

بهذا أصل معكم أعزائي المشاهدين إلى ختام حلقة هذا المساء من “عيون السينما”.

إلى أن نلتقي على خير مساء الجمعة المقبل إن شاء الله، أو عقب شهر رمضان المبارك وكل عام وأنتم بخير، أرجو لكم جميعًا أوقاتًا طيبة ومفيدة وممتعة.

شكرًا لكم وتصبحون على خير…

 الفاروق عبد العزيز

Comments are closed.