أليس لم تعد تعيش هنا” (1974)”

Alice Doesn’t Live Here Anymore

حلقة 14/02/1990
أعزائي المشاهدين…مساء الخير…
هذه هي المرة الثانية التي نلتقي فيها في برنامج “نادي السينما” مع المخرج الأميركي النيويوركي مارتن سكورسيزي، الذي يعتبر في نظر الكثيرين مخرجًا مخلصًا لموضوعاته إلى أبعد الحدود، ربما إلى حد أنها تستحوذ عليه أحيانًا، وهو يعتبر أيضًا من ألمع مخرجي جيله الذين ظهروا في السبعينيات (ولد سكورسيزي في عام 1942) ولكنه أيضًا أكثرهم تقلبًا إلى حد يصعب معه التنبؤ بخطوته القادمة.
ضئيل الحجم وأسمر وملتح وذو شخصية عصبية كما يبدو في مظهره، جم النشاط ذو نظرة خاصة للموضوعات الدينية والعلاقات العاطفية مع غرام بالعنف ـ وهي سمات لها كلها انعكاسات في أفضل أفلامه المعبرة عن ذاته، ولكنه أيضًا إنسان شجاع وقوي الشكيمة أمضى اثنى عشر عامًا صعبة من حياته يكافح المرض خلال رحلة صعوده من خريج لمدرسة الفيلم في جامعة نيويورك إلى أن وصل إلى ما هو عليه ـ واحد من أهم مخرجي أميركا اليوم.
وكانت المرة الأولى التي التقينا فيها هنا مع سكورسيزي حين قدمت “نيويورك نيويورك” قبل بضع سنين، ولكنه كان فيلمًا لا يعكس سوى ارتباطه الوثيق بنيويورك المدينة وموسيقى الجاز. أفلام سكورسيزي التي تمثله فعلًا تبدأ من الحي الإيطالي في نيويورك المعروف باسم “إيطاليا الصغيرة”. هناك قدم سكورسيزي أول أفلامه الهامة “شوارع حقيرة” في عام 1973 مع نجميه المفضلين اللذين اكتشفهما ـ روبرت دي نيرو وهارفي كايتل، وهما شخصيتان تعكسان إلى أبعد الحدود أعجاب سكورسيزي بالشخصيات العصابية.
قال عقب نجاح فيلمه “سائق التاكسي”:
“أحب الشخصيات العصابية وأجدها أكثر إثارة للاهتمام مما يسمونه الشخصيات المتكيفة على نحو سوي، وكمخرج أجد أن الشخصيات العصابية تكتسب بذلك بعدًا جديدًا.”
تجلى ذلك بوضوح في أول أفلامه الروائية الطويلة “بوكس كار بيرت” في عام 1971، ثم بوضوح أكبر في “سائق التاكسي” عام 1976، الذي رشح فيه دي نيرو وجودي فوستر والفيلم نفسه لثلاث جوائز أوسكار إضافة إلى الفوز بالجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي في نفس العام. من أبرز أفلامه بعد ذلك “الثور الهائج” في عام 1980، عن الملاكم جيك لاموتا، والذي فاز دي نيرو عنه بأوسكار أحسن ممثل، ثم “ملك الكوميديا” 1983، و”بعد ساعات العمل” 1985، و”الغواية الأخيرة” 1988، وأخيرًا “حكايات من نيويورك” عام 1989، وهو مقطع من فيلم يتكون من ثلاثة مقاطع، وأخرج القصتين الأخريتين فرانسيس فورد كوبولا وودي ألن.
أين يقع فيلم الليلة من أفلامه؟
يأتي “أليس لم تعد تعيش هنا” في عام 1974، بعد “بوكس كار بيرتا” في عام 1973، وقبل “سائق التاكسي” عام 1976، كاستراحة مطلوبة مع موضوع لم يطرقه سكورسيزي بعد ذلك، ولكن جو الإتقان الذي لازم الإنتاج جعل إلين بورستين التي تقوم الليلة بدور أليس تفوز بأوسكار أحسن ممثلة وأعتبر الفيلم من وجهة نظر الكاتبة موللي هاسكل تحية إلى المرأة في عالم يحكمه الرجال.
أعزائي المشاهدين…
لنشاهد معاً رحلة أليس ولكن ليس في بلاد العجائب؟ ولنا لقاء بعد الفيلم إن شاء الله.
شكراً لكم.

Film: Alice Doesn’t Live Here Anymore

أهلاً ومرحباً بكم مرة أخرى أعزائي المشاهدين…
أنا واثق أن رحلة أليس كانت مثيرة على أكثر من مستوى.
أهم مستويات الإثارة جاءت كما يعترف بذلك سكورسيزي في أن إلين بورستين نفسها كانت القوة الحقيقية خلف “أليس لم تعد تعيش هنا” فقد سمحت مشاركتها له بأن يصنع فيلمًا على غرار أفلام المخرج دوجلاس سيرك باستخدام طاقم عمل من النساء أساسًا. يقدم الفيلم صورة للمرأة فيها قدر كبير من الإيجابية حين نرى أليس هيات كامرأة تعود إلى مواجهة ما تحتم عليها مواجهته بالاعتماد على إمكانياتها الذاتية وحدها، وقد شاهدت أحلام النجومية بالغناء تتبدد أمام الحقائق المكفهرة: يتعين عليها العمل في كافتيريا صغيرة كنادلة. ولعلها واحدة من أقوى لحظات الفيلم حين نرى أليس وصديقتها فلو تعزيان إحداهما الأخرى في موقف السيارات الخالي، وفلو ـ وهي تجسيد لدفعة الحياة ـ تحدث أليس عن اسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان…”حين لا تفعل ما تود فعله حقًا”… رداً على شكايه أليس من توفر كل هذه الخيارات “ومع ذلك أحار في اختيار أحدها”.
بعض ممثلي الحركات النسائية اعترضن على قرار أليس النهائي في اختيار دافيد المتعاطف والحنون كمفتاح لمستقبلها، ولكن القليلات فقط أنكرن قوة الشخصية النسائية التي خلقتها إلين بورستين كشخصية مركبة وهي ذات أهمية هنا لأنها جاءت في فترة كانت الأفلام كلها تقريباً تهتم فقط بمصائر الرجال.
وهذا ما أكدته الكاتبة موللي هاسكل في كتابها المعنون “من التوقير إلى الاغتصاب ـ دراسة في صورة المرأة على الشاشة”.
قالت “إن التركيز في الأفلام الأميركية والإنجليزية كان في تلك الفترة بشكل عام متجهًا صوب الأبطال الذكور، وغالبًا ما كانت الأنا الأخرى للمخرج كروح مغتربة، كبطل مضاد وضحية رئيسة في عالم معاصر وقاس، وفي هذا الضوء يمكن رؤية مدى العقم ولا إنسانية وجوده في علاقته بالعمل والنجاح والزواج (مثلًا حين يتزوج الشاب الغاضب فتاة الطبقة الراقية أو ينجح ماليًا، نراه في أكثر حالاته تعاسته لأنه من الحيوي بمكان بالنسبة للصورة الذاتية للفنان أن يرى الأشياء كلامنتم وكضحية)، ونرى البطل المضاد الغاضب كخاسر، كمجنون أو كخارج على القانون.
ولكن أن نرى امرأة غير راضية عن قسمتها في الحياة أو راغبة في أن تطلق العنان لبعض الجنون الذي يعتمل داخلها فهي أمور لا تطرأ على بال هؤلاء الأبطال أو صانعيهم الذين يحتكرون حق الخوف والقلق”.
من هنا أكتسب “أليس” أهمية تاريخية في كونه من أوائل أفلام السبعينيات بعد مد ثورة الشباب منذ عام 1968، وعقد الستينيات بما حمله من متغيرات سياسية وفنية وفكرية ـ وفي مرحلة ما بعد فيتنام… كان حضور “أليس” إيذانًا بعصر جديد يهتم بمصائر البطلات من النساء (الثورة العاطفية) بتكثيف واقعي شاهدناه بعد ذلك في أفلام كثيرة.
أعزائي المشاهدين…
إلى هنا نصل إلى ختام حلقة الليلة من برنامج “نادي السينما”…إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة إن شاء الله…أرجو لكم أوقاتاً طيبة ومفيدة وممتعة.
شكراً لكم وإلى اللقاء وتصبحوا على خير…

Comments are closed.